نقد

 

 

نقد مفهوم الانزياح، عن فكر ونقد (1999)

 الدكتورإسماعيل شكري راجع المقال بكامله على الرابط:

http://membres.lycos.fr/abedjabri/n23_14chukri.htm

 

يمر نقدنا لمفهوم الانزياح عبر تبني الاستراتيجية التالية:

1 ـ اعتماد النظرية التفاعلية-التشييدية بمعناها العام، وتفسير الخطاب الأدبي انطلاقا من مفهوم "صيغة العنونة" (Addressing mode) في الذكاء الاصطناعي بشكل خاص.

2 ـ نقد تصورات البنيوية الشعرية التي تعزل الخطاب الأدبي عن مختلف الخطابات ضمن ما تدعوه الخصائص المميزة.

3 ـ دمج الخطاب الأدبي في إطار نظرية الخطاب وفق مبادئ البلاغة العامة.

4 ـ تشييد نموذج للجهة البلاغية (Rhetoric aspect) تتفاعل فيه مكونات معرفية ولغوية وبلاغية، ويمثل التشاكل فيه، مبادئ التأويل وإعادة التقدير البلاغية.

ومن ثم، نتحقق في هذا البحث من الفرضية القائلة بأن الوجه البلاغي في الخطاب ناتج عن كثافة بلاغية (Rhetoric intensity)، أي يتوفر على خصائص صوتية وتركيبية ودلالية بواسطة التوسيع مثل الأوجه البلاغية الخاصة بالإيقاع أو المجاز (القافية والاستعارة)، أو بواسطة القلب كما هو وارد في بعض الأوجه البلاغية التركيبية مثل التقديم والتأخير. وقد تكون القواعد التداولية مصدرا مباشرا للكثافة البلاغية كقاعدة الاستلزام الحواري التي تجعل من الاستفهام في بعض السياقات وجها بلاغيا. وبذلك، يمكن تجاوز مفاهيم من قبيل "الانزياح" (أو الخرق) و"الأدبية" باعتبار الكثافة البلاغية خاصية معرفية-دلالية ممكنة التحيين في كل خطاب، سواء أكان خطابا أدبيا أم تاريخيا أو سياسيا...

1 ـ الانزياح:(L'écart)

يعتبر مفهوم الانزياح إطارا نظريا أساسيا لمعرفة تصورات البنيوية الشعرية المتعلقة بالأوجه البلاغية. ذلك أن هذا المفهوم يحضر في أدبيات الشعرية الحديثة بشكل صريح وبؤري (جون كوهن)، أو بشكل مضمر وراء مفاهيم موازية مثل "الوظيفة الشعرية" (ياكبسون)، و"الشفافية" (تودروف). وقد كان الباعث على الاهتمام بمفهوم الانزياح البحث عن "خصائص مميزة" للغة الأدبية، مما كان له أثره البالغ على مسار البحث البلاغي الحديث، حيث كاد أن يتجه، في مجموعه، وجهة مغايرة لروح البلاغة القديمة، أي وجهة بلاغة خاصة، هي بالأساس بلاغة الشعر أو بالأحرى بلاغة النص الأدبي. بيد أن هذا المفهوم، قد اعترضته مشوشات نظرية وتطبيقية، من قبيل صعوبة بناء المعيار، وكيفية تقليص الانزياح وتأويله، ناهيك عن معضلة التوفيق بين وظيفته والوظيفة التواصلية. ومن ثم، حرصنا على استبعاده -بعد نقده- لأنه لا يلائم استراتيجيتنا في تشييد نموذج للجهة البلاغية، يقوم على أساس مفهوم تفاعلي مدمج لمكونات لغوية ومعرفية وبلاغية، هو مفهوم "العنونة". وإذا كانت مؤلفات جون كوهن (1966 و1970 و1979)، الممثل الأنسب لمفهوم الانزياح لدى المدرسة البنيوية الشعرية، فإننا سنركز على عرض أطروحاتها النظرية لنخلص، في الختام، إلى نقد المفهوم وإبراز قصوره النظري والإجرائي.

هكذا يرى كوهن، أن الشرط الأساسي والضروري لحدوث الشعرية هو حصول الانزياح، باعتباره خرقا للنظام اللغوي المعتاد، وممارسة استيطيقية. ولإبراز هذا التصور، عمد الباحث إلى التمييز بين زمنين اثنين. الأول تكون فيه عملية خرق النظام اللغوي مدمرة للمعنى، وفي الثاني يتم تقليص الانزياح من أجل إعادة المعقولية اللغوية. ومن ثم، فالأمر يتعلق "بمقابلة الشعر بالنثر الذي، بما أنه اللغة السائدة، يمكن أن نتخذه معيارا، وأن نعتبر الشعر بمثابة انزياح عنه"(1).

يترتب عن هذا، أن اللغة الشعرية تستثمر، بكثافة، العناصر الصوتية والدلالية للغة، الشيء الذي يسمح ببعض التمييزات مثل الشعر المنثور، والشعر الكامل، والنثر الكامل(2)...الخ.

ويطور كوهن منظوره للانزياح في إطار تصور منطقي-دلالي لنظرية الوجه البلاغي(3).

فالمماثلة -في نظره- ممكنة في البحث اللساني والبحث المنطقي، لأجل ربط علاقة جديدة بين غريماس وبلانشي، تؤشر على جعل المنطق شكلا للمحتوى، وجعل الدلالة محتوى للشكل. وبذلك، فإن مفهوم الانزياح ذاته يمتلك دلالة منطقية، إذ نحصل على ازدواجية الانزياح اللغوي والانزياح المنطقي، التي تمكن من بناء نموذج منطقي للأوجه البلاغية الشعرية(4). ومن ثم، فالأوجه الدلالية تخرق مبدأ عدم التناقض المنطقي الذي يمنع أن نربط القضية بنفي القضية: 1- ق. قَ.

إن التناقض الوارد في هذه الأوجه البلاغية، يتخذ شكل تقابلات تختلف من حيث درجة التقابل والتنافر. فهناك درجة تناقض قوية، وأخرى ضعيفة، أو محايدة. فعلى سبيل المثال، يشكل المحمول "صغير"، نفيا قويا للمحمول "كبير"، بينما "متوسط"، هي النفي الضعيف لهما معا.

وهكذا، يندرج الوجه البلاغي "المناقضة" (L'oxymore) في إطار الدرجة العالية للتناقض. ومثاله: 2 - L'obscure clarté

فعلاقة التضاد بين قطبي الجملة(2)، ناتجة عن درجة نفي قوية، إذ أن "الظلام" نفي "للنور"، والعكس صحيح. أما نفيهما الضعيف (لا نور/لا ظلام)، فتترتب عنه حالة وسطى، هي "باهت" التي يمكن أن ينبثق عنها وجه بلاغي آخر على شاكلة المثال(3): La lumière blafarde.

 

لا شك إذن، أن مفهوم الانزياح، في النظرية الشعرية عند كوهن (1966 و1970)، قد اتخذ صيغتين أساسيتين؛ الأولى صيغة الانزياح الخارجي، حيث حدد المعيار في النثر العلمي، والثانية صيغة الانزياح الدلالي-المنطقي. وهكذا، تعرضت الصيغة الأولى لمجموعة من الانتقادات من طرف بعض رواد الشعرية والأسلوبية أنفسهم. ذلك أن تودروف، مثلا، يرى عدم مصداقية تحديد الشعر عن طريق مقابلته النثر، لأنهما يملكان نصيبا مشتركا، هو الأدب. أما دانييل دولاس، فإنه ينتقد المفهوم قائلا: "كيفما كانت قيمة وعلم المشتغلين بهذا المنهج الذي يدعونه بنيوية في تحليل الأسلوب, فصدقونا, إنه ينطوي على بعض العيوب في مبدئه، ذاته. ذلك أنه يعوض غياب نمذجة علمية للأجناس والسجلات، بثنائية ترهن المطلوب، وتنعت خطأ بكونها بسيطة وإجرائية (نثر، شعر مثلا). وهذا ما يؤدي في آخر المطاف إلى التخلي عن المقاربة اللسانية، وإرجاع مهمة اقتراح أطر الدراسة إلى الأدب، وإلى تاريخ الأدب"(5).

ومن هنا، فمسألة البحث عن معيار، تمثل صعوبة في ذاتها خاصة إزاء المنحى البلاغي العام للبلاغة الغربية الذي يؤكد توفر اللغة العادية على الأوجه البلاغية. كما أن تزايد الاهتمام في الدراسات النقدية الحديثة بالمقاربات اللسانية، مؤشر قوي على افتقار مفهوم الانزياح للبعد الإجرائي، وعلى ضرورة وضع نظرية الأدب في إطار النظرية البلاغية العامة. وهذا ما ينسجم مع مباحث علم النفس المعرفي وعلم النفس اللساني التي ما فتئت تؤكد على البعد المعرفي للأوجه البلاغية، كالاستعارة والكناية والحكي(6).

وإذا كان كوهن (1970) قد نقل مفهوم الانزياح إلى الحيز الوصفي الدلالي-المنطقي، فإنه مع ذلك، لم يتخلص من منظور "الانزياح الخارجي"، حيث ظل يبحث عن التناقض في الأوجه البلاغية الشعرية، ويحدد، بالتالي، البنيات المنطقية للانزياح الشعري. وما يفسر هذا، اختياره لبعض الأوجه البلاغية السائدة، حسب قوله، في الشعر المعاصر. ومن هنا، لم يستبعد كوهن في تحليله المنطقي-الدلالي مبدأ الانزياح عن الاستعمال العادي، بدليل تأكيده على أن الانزياح المقصود انزياح لغوي ومنطقي. لكن المفارقة الواردة في هذا السياق أنه رجع إلى البلاغة الكلاسيكية العامة لاستعارة الأمثلة عن دومارسي وفونطانيي. ثم إن مظاهر القصور المنهجي لمفهوم الانزياح أنه لا يتجاوز المرحلة الوصفية إلى المرحلة التأويلية، حيث يمكن رفع التناقض وتأويله. كما أن المفهوم في صيغته الدلالية-المنطقية عند كوهن، يفتقر إلى الشمولية، إذ لا يشمل الأوجه البلاغية الصوتية، ولا يستثمر آليات التشاكل إلا في حدود ضيقة، ناهيك عن اعتبارنا هذا التناقض الظاهري "لا تشاكلا" (Allotopie ) منتجا للتشاكل. إضافة إلى ما سبق، نجد من بين المؤشرات التي تضع أطروحة الشعرية في الانزياح موضع الشك، كون نظرية التوازي عند ياكبسون ظلت تعاني من معضلة أساسية، هي: كيف نميز بين التوازي الشعري والتوازي غير الشعري'

ثم إن محاولة لوتمان (1970) إدماج الشعرية في سيميائيات الفن مؤشر قوي على المأزق النظري للمدارس البنيوية الشعرية التي لم تستطع، بالرغم من تبنيها مفهوم الانزياح، التخلي عن مفهوم الوظيفة التواصلية للشعر. ومن هنا، أعتقد بأن تنظيرات ياكبسون لم تقرأ جيدا من طرف الشعريين أنفسهم. ذلك أنه أكد منذ سنة 1963 على القول التالي: "كل محاولة لحصر مجال الوظيفة الشعرية في الشعر أو قصر الشعر على الوظيفة الشعرية لن يصل إلا إلى تبسيط مجحف وخادع"(7). وبذلك جاءت أطروحاته منسجمة واعتباره الشعرية جزءا لا ينفصل عن اللسانيات. مثال ذلك، بحثه المتميز في البناء الصوتي للغة(1980).

وقد كان لاعتماد مفهوم الانزياح من لدن بعض الباحثين العرب، (محمد العمري 1990)، خاصة في قراءتهم للتراث البلاغي العربي، نتائج من الصعب التسليم بها مثل اعتبار القرآن الكريم معيارا للانزياحات الصوتية في الشعر، والمماثلة بين المدارس الشعرية الحديثة والبلاغة العربية القديمة.

بيد أن نقد الانزياح، بالنسبة لنا لا يقف عند هذه الحدود الكاشفة عن قصوره النظري، بل نقدم تفسيرا وتأويلا تفاعليين للوجه البلاغي، ينطلقان من اعتباره ظاهرة معرفية-دلالية. ووسيلتنا إلى ذلك، مفهوما "العنونة" و"التشاكل".

2 ـ من الانزياح إلى الكثافة البلاغية (Rhetoric intensity)

نعتبر الوجه البلاغي "كثافة بلاغية" ناتجة عن تفاعل ثلاثة أنماط من "صيغة العنونة" (Addressing mode) التي يقصد بها في الذكاء الاصطناعي طريقة خزن المعطيات في "الذاكرة المركزية"(M.Centrale) واسترجاعها منها. وهكذا، للكثافة البلاغية ثلاثة أوضاع:

أ ـ العنونة غير المباشرة (Indirect addressing):

وتمثل الأساس الفلسفي-المعرفي للكثافة البلاغية، الذي يحوي مدخرات الإنسان المقولية والثقافية والأنثروبولوجية باعتبارها حصيلة تفاعله مع العالم الخارجي... ذلك أن آلية الإطناب (Redondance)، مثلا، قبل أن تترجم إلى اللغة، أي الأساس اللغوي (أو العنونة النسبية)، لها عنوان في العالم الحسي-التجريبي للإنسان. ذلك أن جورهان (1965)(8) يؤكد بأن الفعل الإنساني أقل إبداعا للآلة وأكثر إبداعا للزمان والفضاء الإنسانيين الشيء الذي يفسر ملاءمة المنازل الأولى الإنسانية للتقديمات الأولى الإيقاعية، إذ يمثل هذا التدجين الرمزي-التخييلي انتقالا من الإيقاعية الطبيعية للفصول والأيام ومسافات المشي إلى إيقاعية مشروطة منظمة داخل الرموز الميقاتية والمترية. ومن ثم، فالزمن الدائري باعتباره خطا منغلقا على نفسه يحيل على تصورات العود الأبدي الموجودة منذ أقدم الحضارات الشرقية أو اليونانية. كما أن الاستعارات دفعت بالإنسان منذ البدء إلى مقارنة حياته (ولادة، كهولة، شيخوخة) بالدائرة الشمسية اليومية (فجور، ظهيرة، مساء...الخ) أو بالدائرة السنوية للفصول.

ولعل التفسير المعرفي-الدلالي لهذا الوعي الثقافي في العنونة غير المباشرة المتعلقة بالأوجه البلاغية، نجده في مفهومي المقولة والتأطير (Categorization and Schematization) لدى المدافعين عن المعرفة التجربانية، (أمثل لاكوف 87 و88)، الذين ينظرون إلى المعنى باعتباره إسقاطا تخييليا يستخدم إواليات مجردة(9). ومن ثم، تعتبر تلك البنيات التخييلية أطرا يكمن فيها أساسا واقعنا الثقافي الخاص، وهو ما تؤكده الأنثربولوجيا المعرفية المعاصرة.

ب ـ العنونة النسبية (Relative addressing)

تمثل العنونة النسبية طريقة يقسم العنوان فيها إلى قسمين: القاعدة والانتقال. فيرتبط الانتقال مباشرة بالتعليمة، وتشكل القاعدة "المرجع الأساس" الذي يجب العودة إليه في كل مرة. وبذلك، فهذا النمط من العنونة لا يقصد المنطقة الموجودة في الذاكرة بقدر ما يضعها بموازاة مع عنوان المرجع، إذ يضاف "العنوان النسبي" (الانتقال) إلى "عنوان الأساس" (أي عنوان المرجع) لتحديد موضع الخزن أو الادخار.

وهكذا، تمثل العنونة النسبية، الأساس اللغوي للكثافة البلاغية، حيث نجد القاعدة ذات بعد لغوي للوجه البلاغي، بينما يعتبر الانتقال توسيعا، أي بعدا بلاغيا لهذا الوجه. وبذلك، فالعلاقة بين القاعدة والانتقال علاقة إضافة في النموذج البلاغي. ونمثل لهذه العنونة، بالانتقال من مفهوم "الجهة النحوية" إلى مفهوم "الجهة البلاغية" الذي اجتهدنا لصياغته ضمن نموذج بلاغي تفاعلي. غير أن القاعدة اللغوية ترتبط بدورها بمرجع أساس مناسب لها، يشكل بالنسبة للرتبة اللغوية، مثلا الرتبة الرياضية، بينما يشكل التقديم والتأخير البلاغيين الانتقال أو التوسيع في الكثافة البلاغية. ونلاحظ أن البعد الرياضي يربط البعد اللغوي بالأساس الفلسفي المعرفي في العنونة غير المباشرة. وهذا ما يؤكده الفاسي الفهري(1988)، إذ يرى بأنه لا يوجد مانع من تصور اللغة موضوعا رياضيا، "إذ قد نعتبر أن الدراسة اللسانية جزء من الرياضيات، وهذا هو موقف مونطكيو بالفعل"(10).

ج ـ العنونة المباشرة (Direct addressing )

يقترن العنوان في العنونة المباشرة مباشرة بالوضع المادي لكل خلية من خلايا الذاكرة، أي أن هذه الصيغة يتم فيها ت&

Aucune note. Soyez le premier à attribuer une note !

Commentaires (1)

1. TOM Feng 21/06/2012

Firstly since they are not expensive, you need not be over careful with them especially on treks, or adventure activities. Secondly, you can buy them for a specific occasion or evening to suit a particular dress and can afford to not use them for other dresses. There are many fashionable but cheap fake watches you can find in select stores too, which look elegant and rich and look great for a casual party or even important school events like proms and other get-togethers.

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

When I established the thesis of Rhetorical Aspect (Choukri ,1999)I provided an introduction to a new general modular rhetoric which interpret the figures in an aspectual model . so, we can widen the grammatical aspect (Comrie B., 1976 - Cohen, D.1989) into a generic sense. analysing the perfective aspect or the iterative (or habitual) aspect, we may notice that some features like « iteration » and « continuity » have their mirror manifestations in rhetorical figures such as metaphor and alliteration. The basic principle of this thesis is that time is a cognitive component in the linguistic and visual discourses: Poetry, Novel, publicity, and educational discourse... Moreover, time is a procceeding concept, which serves to explain and interpret many discourses. We can therefore ask this question: What is a rhetorical aspectual model? choukri_2007
×